أحمد ياسوف

301

دراسات فنيه في القرآن الكريم

قبحا لا سبيل الآن إلى وجوده ، وذلك ما دمنا قد عرفنا « علم » ولم نعرف « ملع » ، ويبدو أن هذه الخاصية كانت من دواعي التّرف الذهني والتعلّق بالشكل ، كما هي الحال في مسألة طول الكلمات كما سنجد . لقد استطاع ابن الأثير بما ذكر من أمثلة أن يبطل نظرية ابن سنان ، إلا أن الأمر ظلّ يفتقر إلى لمسات الرافعي الذي بنى نظرته على صفات الحروف ، وهذا وليد التدبر العميق للكلمات القرآنية ، مما يكشف جماليات موسيقية ، ولم يعتمد الذوق الشخصي ، بل حكّم طبيعة الحروف . وإن القراءة الدقيقة لآيات القرآن الكريم تؤكد أنّ السهولة نابعة من الانسجام ، ولا يقتصر هذا الانسجام على تباعد المخارج ، بل هناك الحروف والحركات ، وصفات الحروف هي المعوّل عليه هنا ، وإن الانسجام يحصل بين تلاقي هذه الصفات ، وليس بين مخارجها قبل النّطق بالحرف . ويبدو أن الذوق الفطري كان عند الجاحظ هو الذي يرفض التنافر ، لنبوّ المسموع على الآذان ، ولم يخطئ هذا الذوق الفطري ، الذي ارتبط لدى الدارسين بعده بما أفادوه من الثقافة الصوتية السابقة ، مثل ما جاء في مقدمة كتاب العين ، وبداية سر صناعة الإعراب لابن جني ، إذ درس الخليل مخارج الأصوات ، وكذلك صنع ابن جني ، وراح يشبّه المخارج بالناي . وهذا مما ينظر إليه بإجلال . إلا أن ما أفاده البلاغيون من هذه الدراسات لم يكن لائقا أحيانا ، ونحن نقول هذا مع إقرارنا التام بأن القرآن الكريم نفسه كان حافزا قويا على الدراسات الصوتية التي تهدف إلى تجويد نطق القرآن الكريم ، وإلى حسن أدائه « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : جهود علماء العرب في الأصوات اللغوية ، د . سميح أبو مغلي ، مجلة -